النويري
249
نهاية الأرب في فنون الأدب
منا الضعيف ، فكنا على ذلك حتى بعث اللَّه إلينا رسولا منّا ، نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه ، فدعانا إلى اللَّه لنوحّده ونعبده ، ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة [ و « 1 » ] الأوثان ، وأمرنا بصدق الحديث ، وأداء الأمانة ، وصلة الرّحم ، وحسن الجوار ، والكفّ عن المحارم والدماء ، ونهانا عن الفواحش وقول الزور ، وأكل مال اليتيم ، وقذف المحصنة ، وأمرنا أن نعبد اللَّه ولا نشرك به شيئا ، وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام . قالت : فعدّد عليه أمور الإسلام ، فصدقناه ، وآمنّا به واتّبعناه على ما جاء به من اللَّه ، فعبدنا اللَّه وحده فلم نشرك به شيئا ، وحرّمنا [ ما « 2 » ] حرم علينا ، وأحللنا ما أحلّ لنا ، فعدا علينا قومنا فعذّبونا وفتنونا عن ديننا ، ليردّونا إلى عبادة الأوثان من عبادة اللَّه ، وأن نستحلّ ما كنا نستحلّ من الخبائث ، فلما قهرونا وظلمونا وضيّقوا علينا ، وحالوا بيننا وبين ديننا ، خرجنا إلى بلادك واخترناك على من سواك ، ورغبنا في جوارك ورجونا ألا نظلم عندك أيها الملك ، فقال النجاشي : هل معك مما جاء به عن اللَّه من شئ ، قال : نعم ، قال : فاقرأه علىّ ، فقرأ عليه صدرا من * ( ( كهيعص ) ) * « 3 » ، قال : فبكى واللَّه النجاشي حتى اخضلَّت لحيته ، وبكت أساقفته حتى اخضلَّت مصاحفهم حين سمعوا ما تلا عليهم ، ثم قال النجاشىّ : إن هذا والذي جاء به عيسى ليخرج من مشكاة واحدة انطلقا فلا واللَّه لا أسلَّمهم إليكما ، ولا يكادون . قالت : فلما خرجنا من عنده قال عمرو بن العاص : واللَّه لآتينّه غدا عنهم بما أستأصل به خضراءهم ، فقال له عبد اللَّه بن أبي ربيعة : لا تفعل فإن لهم أرحاما ، وإن كانوا قد خالفونا ، قال : واللَّه لأخبرنّه أنهم يزعمون أن عيسى بن مريم
--> « 1 » ساقطة من الأصل . « 2 » في الأصل : « مما » والصواب عن ابن هشام . « 3 » سورة مريم : 1